القائمة الرئيسية

الصفحات

 تفسير سورة الواقعة 


تفسير سورة الواقعة (الجزء الأول)

تُعد سورة الواقعة من السور المكية العظيمة التي تحمل في آياتها مشاهد قوية عن يوم القيامة، ومصير الناس بعد الموت، وأحوال المؤمنين والكافرين في الدار الآخرة. وهي السورة السادسة والخمسون في ترتيب المصحف الشريف، وعدد آياتها ست وتسعون آية. وقد سُمّيت بسورة الواقعة نسبة إلى أول آية فيها، حيث يقول الله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، والواقعة هي القيامة التي لا شك في وقوعها، فهي حدث عظيم سيغيّر نظام الكون كله، ويقف فيه الإنسان بين يدي الله تعالى للحساب والجزاء.

تبدأ السورة بأسلوب قوي يهز القلب ويوقظ الإنسان من غفلته، فالله سبحانه يخبر عن وقوع القيامة التي لا يستطيع أحد إنكارها أو دفعها، فقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، أي عندما تأتي القيامة فلن يكون هناك مجال للشك أو التكذيب، لأنها حقيقة مؤكدة كتبها الله على خلقه. وفي الدنيا قد يختلف الناس بين مؤمن ومكذب، لكن عند ظهور الحقيقة سيعلم الجميع أن وعد الله كان حقًا.

ثم تصف السورة بعض أهوال ذلك اليوم العظيم، فتقول: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، أي أن القيامة تخفض أقوامًا كانوا متكبرين في الدنيا، وترفع أقوامًا كانوا مستضعفين لكنهم آمنوا بالله وأطاعوه. فالموازين في الآخرة ليست كموازين الدنيا؛ فليس الغنى أو الجاه أو المكانة الاجتماعية هي التي تحدد قيمة الإنسان، وإنما الإيمان والعمل الصالح والتقوى.

ثم يأتي وصف تغير الأرض والجبال، قال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. تصور هذه الآيات مشهدًا مهيبًا تتزلزل فيه الأرض زلزالًا شديدًا، وتتفكك الجبال رغم عظمتها وقوتها حتى تصبح مثل الغبار المتطاير. وهذا يبين قدرة الله سبحانه وتعالى، فالجبال التي يراها الإنسان ثابتة لا تتحرك، ستصبح بأمر الله شيئًا لا قيمة له أمام عظمة يوم القيامة.

بعد ذلك تقسم السورة الناس إلى ثلاثة أصناف، وهذا التقسيم من أعظم معاني السورة، لأنه يوضح أن مصير الإنسان مرتبط بما قدمه في حياته. يقول الله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. والصنف الأول هم أصحاب الميمنة، وهم أهل الخير والإيمان الذين فازوا برضا الله، والصنف الثاني هم أصحاب المشأمة، وهم الذين أعرضوا عن الحق وكذبوا بآيات الله، أما الصنف الثالث فهم السابقون، وهم أعلى الناس منزلة، الذين سبقوا إلى الطاعات والخيرات.

أما السابقون فقد خصّهم الله بمكانة عظيمة، فقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. وهم الذين لم يكتفوا بأداء الفرائض فقط، بل كانوا يسارعون إلى أعمال الخير، ويجتهدون في طاعة الله، ويقدمون مرضاته على أهوائهم وشهواتهم. فهؤلاء قربهم الله منه بسبب صدق إيمانهم وإخلاصهم.

ثم تبدأ السورة في وصف نعيم هؤلاء المقربين، فتذكر أنهم في جنات النعيم، في مجالس كريمة، وراحة دائمة، بعيدين عن تعب الدنيا وأحزانها. يقول الله تعالى: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾، أي أنهم يعيشون في نعيم كامل، متحابين متآلفين، لا يوجد بينهم حسد ولا خصام، بل قلوبهم صافية كما أراد الله لهم.

ومن جمال وصف القرآن للجنة أنه لا يركز فقط على المتع الحسية، بل يبين أيضًا الراحة النفسية والطمأنينة التي يعيشها أهلها. ففي الدنيا قد يمتلك الإنسان المال والجاه لكنه يعيش في قلق وخوف، أما في الجنة فهناك الأمن الكامل والسعادة التي لا تنتهي، لأن أعظم نعمة هي رضا الله والقرب منه.

ثم تذكر السورة بعض نعم الجنة، من الطعام والشراب والراحة، حيث يقول الله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾. وهذا تصوير لكرامة أهل الجنة، حيث يعيشون في ضيافة الله تعالى، لا خوف عليهم ولا حزن، ولا تعب يصيبهم.

كما يوضح القرآن أن نعيم الجنة يختلف تمامًا عن نعيم الدنيا؛ فنعيم الدنيا مؤقت وينتهي، وقد يصاحبه التعب والخوف من فقدانه، أما نعيم الآخرة فهو دائم لا يزول. ولهذا يدعو القرآن الإنسان إلى أن يجعل هدفه الأكبر هو الفوز برضا الله، لا مجرد جمع متاع الدنيا.

وفي نهاية الجزء الأول من السورة نجد أن الله يوجه الإنسان إلى التفكير في حقيقة وجوده، وأن الحياة الدنيا ليست النهاية، بل هي مرحلة اختبار قصيرة، وبعدها يأتي اللقاء بالله تعالى. فالإنسان العاقل هو الذي يستعد لذلك اليوم قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم.

يتبع في الجزء الثاني: تفسير بقية سورة الواقعة، وصف أصحاب الشمال، أدلة قدرة الله في خلق الإنسان والنبات والماء والنار، والرسالة العظيمة التي تختم بها السورة.

تفسير سورة الواقعة (الجزء الثاني)


بعد أن تحدثت سورة الواقعة عن أصناف الناس يوم القيامة، وبيّنت مكانة السابقين المقربين ونعيمهم العظيم، تنتقل السورة إلى وصف حال أصحاب الشمال، وهم الذين أعرضوا عن الإيمان، وابتعدوا عن طاعة الله، واغتروا بالحياة الدنيا، ولم يستعدوا للقاء ربهم.

يقول الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾، وهذا الأسلوب القرآني يدل على شدة الأمر وعظمة المصيبة التي تنتظر هؤلاء، فكأن السؤال يُطرح للتنبيه على سوء حالهم. ثم يصف الله ما هم فيه من العذاب، فيقول: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾.

فالسموم هو الهواء الشديد الحرارة الذي يحرق الأجساد، والحميم هو الماء البالغ في الحرارة، والظل الذي يذكره الله ليس ظل راحة ورحمة، بل ظل دخان أسود لا يخفف عنهم شيئًا. وهذا يبين الفرق الكبير بين نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، فكما أن أهل الإيمان يجدون الراحة والكرامة، فإن أهل الكفر يجدون الألم والحسرة بسبب ما قدمت أيديهم.

ثم يذكر الله سبب استحقاقهم لهذا العذاب، فيقول: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾. أي أنهم عاشوا في الدنيا منغمسين في الشهوات والنعيم، لكنهم لم يشكروا الله على نعمه، بل استخدموا ما أعطاهم الله في المعصية والابتعاد عن الحق. وكانوا يصرون على الذنوب العظيمة ولا يرجعون إلى الله بالتوبة.

ومن أخطر صفاتهم أنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت، فقد قالوا كما حكى الله عنهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. كانوا يستبعدون أن يعيدهم الله بعد أن تصبح أجسادهم ترابًا، ولم يعلموا أن الذي خلقهم أول مرة قادر على إعادتهم مرة أخرى. فالقدرة الإلهية لا يعجزها شيء، ومن أوجد الإنسان من العدم قادر على إحيائه بعد الموت.

بعد ذلك تنتقل السورة إلى إقامة الأدلة على قدرة الله من خلال أمور يراها الإنسان كل يوم، لكنها تحمل في داخلها آيات عظيمة. يقول تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾. فالله يذكر الإنسان بأصل خلقه، وأن وجوده نفسه دليل على قدرة الخالق، فكيف ينكر الإنسان البعث وهو يرى عظمة الخلق من حوله؟

ثم يقول سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾. يوجه الله الإنسان إلى التأمل في خلقه، فالإنسان لا يملك خلق نفسه ولا التحكم في تفاصيل وجوده، وإنما الله وحده هو الخالق المدبر. وهذه الآيات تعلم الإنسان التواضع، وتذكره بأن قوته مهما عظمت فهي محدودة أمام قدرة الله.

ثم ينتقل الحديث إلى الزرع والنبات، فيقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. فالإنسان يحرث الأرض ويضع البذور، لكنه لا يستطيع أن يجعل البذرة تنبت ولا أن يخرج منها النبات. إنما الله هو الذي يهبها الحياة، ويجعل منها رزقًا للناس.

ثم يبين الله نعمة الماء، فيقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾. فالماء أساس الحياة، ومع ذلك فالإنسان لا يملك إنزاله من السماء، وإنما هو فضل من الله ورحمته. ولو شاء الله لجعل هذا الماء مالحًا لا ينتفع به الناس، ولهذا يجب على الإنسان أن يشكر الله على نعمه التي تحيط به.

ثم تذكر السورة النار، وهي نعمة أخرى يغفل عنها الإنسان، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾. فالنار التي يستخدمها الإنسان في مصالحه هي من خلق الله، وفيها تذكير بقدرته سبحانه، كما أنها تذكر المؤمن بنار الآخرة فيزداد خوفًا من الله وحرصًا على الطاعة.

بعد ذكر هذه الأدلة العظيمة، يأمر الله نبيه ﷺ بتعظيم اسم الله وتنزيهه، فقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. فبعد أن يتأمل الإنسان في خلق الله ونعمته وقدرته، فإن النتيجة الطبيعية هي تعظيم الله وشكره وعبادته.

ثم تختم السورة بمشهد عظيم يتعلق بلحظات خروج الروح من الجسد، حيث يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾. في تلك اللحظة يدرك الإنسان حقيقة ضعفه، فلا المال ينفع، ولا القوة تنقذ، ولا يستطيع أحد أن يمنع أمر الله. فالروح بيد الله، والموت موعد لا يستطيع أحد الهروب منه.

ثم تبين السورة أن الناس عند الموت ينقسمون أيضًا إلى أصناف، فمن كان من المقربين فله البشرى والراحة والنعيم، ومن كان من أصحاب اليمين فله السلام والكرامة، أما المكذبون الضالون فلهم العذاب. وهذا يوضح أن الإنسان لا ينتهي بالموت، بل ينتقل إلى حياة أخرى يحاسب فيها على أعماله.

وتختم سورة الواقعة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. أي أن ما أخبر به القرآن من القيامة والبعث والجزاء هو الحقيقة التي لا شك فيها. فالقرآن ليس مجرد كلمات تُتلى، بل رسالة تدعو الإنسان إلى إصلاح حياته والاستعداد للقاء الله.

إن سورة الواقعة تحمل رسالة عظيمة للإنسان؛ فهي تذكره بأن الدنيا مهما طالت فهي زائلة، وأن النجاح الحقيقي ليس في كثرة المال أو الشهرة، وإنما في القرب من الله والعمل الصالح. كما تعلمنا أن نعم الله حولنا كثيرة، وأن شكر هذه النعم يكون بالإيمان والطاعة وحسن استعمال ما أعطانا الله.

ومن أعظم دروس السورة أن الإنسان يجب أن يعيش بين الخوف والرجاء؛ يخاف من عذاب الله فيبتعد عن المعاصي، ويرجو رحمته فيجتهد في الطاعات. فالسعيد هو من عرف حقيقة الدنيا، وعمل لما بعد الموت، وجعل رضوان الله هو الغاية الكبرى في حياته.

والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.


تعليقات