القائمة الرئيسية

الصفحات

 تفسير سورة الملك 



تفسير سورة الملك (الجزء الأول)

تُعد سورة الملك من السور العظيمة في القرآن الكريم، وهي السورة السابعة والستون في ترتيب المصحف الشريف، وعدد آياتها ثلاثون آية، وهي سورة مكية نزلت في مكة المكرمة. وقد سُمّيت بسورة الملك لأنها تبدأ بقول الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، حيث تذكّر الإنسان بأن الملك الحقيقي والسلطان الكامل لله سبحانه وتعالى وحده.

تبدأ السورة بتمجيد الله تعالى وبيان عظمته، فهو الذي يملك السماوات والأرض وما بينهما، وهو القادر على كل شيء، لا يعجزه أمر في الكون. وفي هذه الآية دعوة للإنسان حتى يدرك ضعفه وحاجته إلى خالقه، فلا يغتر بما يملك من مال أو قوة أو مكانة، لأن كل ما عند الإنسان هو فضل من الله تعالى، ويمكن أن يزول في أي لحظة.

ثم يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وهذه الآية تحمل معنى عظيماً، فهي توضّح أن الحياة ليست مجرد أكل وشرب ومتاع، وإنما هي اختبار وابتلاء. خلق الله الموت والحياة لحكمة، وهي أن يظهر من عباده من يعمل الخير ويطيع الله، ومن يختار طريق الغفلة والبعد عنه.

ولم يقل الله تعالى: "أيكم أكثر عملاً"، بل قال: "أحسن عملاً"، لأن قيمة العمل ليست بكثرته فقط، وإنما بإخلاصه وصوابه. فقد يعمل الإنسان أعمالاً كثيرة لا تنفعه إذا لم تكن خالصة لله، بينما قد يكون العمل القليل عظيماً عند الله بسبب صدق النية والإخلاص.

بعد ذلك تنتقل السورة إلى الحديث عن خلق السماوات، حيث يقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾. يدعو الله الإنسان إلى التأمل في هذا الكون الواسع، فالسماوات مخلوقة بإحكام ونظام دقيق، لا يوجد فيها خلل أو اضطراب.

ثم يأمر الله الإنسان بالنظر والتأمل مرة أخرى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾، أي ابحث وتأمل، هل تجد نقصاً أو خللاً في خلق الله؟ وفي هذا توجيه للمؤمن أن ينظر إلى الكون بعين التفكر، ليزداد إيماناً بعظمة الخالق وحكمته.

إن الإنسان كلما تأمل في خلق الله، أدرك أن هذا الكون لم يوجد عبثاً، وأن وراء هذا النظام العظيم خالقاً حكيماً. فالشمس والقمر والنجوم والبحار والجبال كلها آيات تدل على قدرة الله ورحمته.

ثم تصف السورة حال من يكذبون بالله وعذابه، فتذكر مشهداً من مشاهد يوم القيامة، حيث يُلقى الكافرون في النار، ويسألون عن سبب دخولهم إليها، فيعترفون بأنهم لم يستمعوا ولم يعقلوا، ولم ينتفعوا بما أرسل الله إليهم من هداية.

قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وهذه الآية تبين أهمية استعمال العقل والسماع للحق، فالإنسان مُنح العقل لكي يميز بين الخير والشر، وأُرسل إليه الرسل والكتب حتى لا يبقى في ظلمات الجهل.

فالإنسان الذي يغلق قلبه عن سماع الحق، ويرفض التفكير في آيات الله، قد يصل إلى مرحلة يندم فيها، لكن الندم بعد فوات الأوان لا ينفع. ولهذا تدعو سورة الملك المؤمن إلى أن يكون صاحب قلب حي، يستمع للنصيحة ويتأمل في آيات الله قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.

وتستمر السورة في بيان أن الله يعلم السر وأخفى، فلا يخفى عليه شيء من أعمال العباد أو نياتهم، فهو يعلم ما تخفيه الصدور، ويحاسب كل إنسان على ما قدم.

تفسير سورة الملك (الجزء الثاني)

بعد أن بيّنت سورة الملك في بدايتها عظمة الله تعالى وقدرته في خلق السماوات والأرض، وذكّرت الإنسان بأن الحياة اختبار وابتلاء، تنتقل السورة إلى بيان رحمة الله بالمؤمنين، وتحذير الغافلين الذين يظنون أنهم بعيدون عن حساب الله.

يقول الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.

فهؤلاء هم الذين يخافون الله رغم أنهم لا يرونه، لكن قلوبهم ممتلئة بالإيمان واليقين بعظمته. فهم يراقبون الله في السر والعلن، ويبتعدون عن المعاصي لأنهم يعلمون أن الله مطلع عليهم في كل وقت.

والخشية من الله ليست خوفاً عادياً، بل هي خوف ممزوج بالمحبة والتعظيم، تجعل الإنسان يحرص على طاعة ربه، ويحاول أن يكون أفضل في أقواله وأعماله. ولهذا وعد الله هؤلاء بالمغفرة والأجر العظيم، لأنهم اختاروا طريق الإيمان والتقوى.

ثم يقول الله تعالى:

﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

تذكّر هذه الآية الإنسان بأن الله يعلم كل شيء، سواء تكلم الإنسان بصوت مرتفع أو أخفى كلامه في قلبه. فالله لا يعلم فقط ما يظهر من الأعمال، بل يعلم أيضاً النيات والمقاصد والأفكار التي لا يطلع عليها أحد.

وهذا المعنى يجعل المؤمن حريصاً على إصلاح قلبه، لأن الله ينظر إلى القلوب كما ينظر إلى الأعمال. فقد يخفي الإنسان أمراً عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يخفيه عن الله سبحانه وتعالى.

ثم يقول الله تعالى:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.

فالله هو الخالق، ومن خلق الشيء يعلم تفاصيله وأسراره. فهو سبحانه لطيف بعباده، خبير بأحوالهم، يعلم حاجاتهم وضعفهم، ويرشدهم إلى ما فيه الخير لهم.

بعد ذلك تذكّر السورة الإنسان بنعم الله العظيمة، فتقول:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.

فالله جعل الأرض مهيأة للإنسان، يستطيع أن يعيش فيها، ويبني عليها، ويسعى في طلب الرزق. فالجبال والسهول والأنهار والبحار كلها من تسخير الله ورحمته بعباده. لكن مع ذلك يذكّر الله الإنسان بأن النهاية إليه، وأن الجميع سيعودون إليه يوم القيامة للحساب.

وفي هذه الآية دعوة إلى التوازن؛ فالإنسان مأمور بالسعي والعمل وطلب الرزق، لكنه لا ينبغي أن ينسى أن الرزق بيد الله، وأن الدنيا مهما طالت فهي مرحلة مؤقتة، والدار الآخرة هي دار القرار.

ثم تحذر السورة الذين يغترون بقوتهم ويظنون أنهم في مأمن من عذاب الله، فيقول تعالى:

﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾.

فالله يذكّر الإنسان بأن قوته محدودة، وأنه مهما بلغ من العلم والقدرة فإنه يبقى عاجزاً أمام قدرة الله. فالزلازل والكوارث وغيرها من آيات الله تذكّر الإنسان بضعفه وحاجته إلى ربه.

ثم يقول تعالى:

﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾.

وهذه الآيات ليست دعوة إلى الخوف فقط، وإنما هي دعوة للعودة إلى الله، وإدراك أن الأمن الحقيقي يكون بالقرب من الله وطاعته، وليس بالاعتماد على القوة أو المال أو الأسباب وحدها.

ثم تضرب السورة مثالاً بالأمم السابقة التي كذبت رسلها، فقال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.

أي أن أقواماً سابقين رفضوا دعوة الحق، فكانت عاقبتهم الخسارة والهلاك. وهذا تحذير لكل إنسان من الإصرار على الباطل، لأن سنن الله لا تتغير، ومن أعرض عن الحق فقد يندم عندما لا ينفع الندم.

ثم تنتقل السورة إلى تذكير الإنسان بنعمة عظيمة وهي نعمة الطيران، فيقول الله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾.

فحتى الطيور التي تحلق في السماء هي آية من آيات الله، فهو الذي أعطاها القدرة على الطيران وسخّر لها ما تحتاج إليه. وهذا يدعو الإنسان إلى التأمل في أبسط المخلوقات، لأنها تحمل دلائل عظيمة على قدرة الخالق.

وفي ختام السورة تذكّر الإنسان بحاجته الدائمة إلى الله، فتقول:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

فالنجاة ليست بالقوة ولا بالمال، وإنما برحمة الله تعالى. ثم يقول سبحانه:

﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾.

وهذه الآية تلخص طريق المؤمن: الإيمان بالله، والتوكل عليه، والثقة برحمته وحكمته.

وتختم السورة بسؤال عظيم يذكّر الإنسان بأهمية نعمة الماء:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾.

فالماء الذي يراه الإنسان أمراً عادياً هو في الحقيقة نعمة عظيمة لا يستطيع أحد أن يخلقها أو يضمن استمرارها إلا الله تعالى.

وهكذا تنتهي سورة الملك برسالة واضحة: أن الله هو مالك كل شيء، وأن الإنسان مهما امتلك من قوة فهو فقير إلى ربه، وأن الطريق إلى النجاة يكون بالإيمان، والعمل الصالح، والتفكر في آيات الله، والاستعداد للقاء الله.

فسورة الملك تربي في قلب المؤمن تعظيم الله، والخوف منه، والرجاء في رحمته، وتدعوه إلى أن يعيش حياته وهو يعلم أن الملك كله لله، وأن المصير النهائي سيكون إليه سبحانه وتعالى.


والحمد لله والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

تعليقات