تفسير سورة مريم
تفسير سورة مريم (الجزء الأول)
تُعد سورة مريم من السور المكية العظيمة التي تحمل في آياتها معاني الرحمة والإيمان والثقة بالله تعالى، وهي السورة التاسعة عشرة في ترتيب المصحف الشريف، وعدد آياتها ثمانٍ وتسعون آية. وقد سُمّيت بسورة مريم تخليدًا لقصة السيدة مريم عليها السلام، التي خصّها الله تعالى بذكرٍ عظيم في القرآن الكريم، وجعل قصتها مثالًا للطهارة والعفة والإيمان والصبر على الابتلاء.
تبدأ السورة بحروف مقطعة وهي قوله تعالى: ﴿كهيعص﴾، وهذه الحروف من الأمور التي استأثر الله بعلم معناها، وفيها إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، فهو مكوّن من نفس الحروف التي يعرفها العرب، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله.
بعد ذلك تبدأ قصة نبي الله زكريا عليه السلام، حيث قال الله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾. فقد كان زكريا عليه السلام نبيًا صالحًا، عاش عمرًا طويلًا وهو يدعو قومه إلى عبادة الله، وكان قلبه متعلقًا بالطاعة والخير. وعندما تقدم به العمر، وخاف أن يضيع أمر الدعوة بعد وفاته، توجه إلى الله بدعاء خفي مليء بالأدب والخشوع.
لم يطلب زكريا الولد من أجل الدنيا أو الفخر، وإنما طلبه ليكون امتدادًا للخير وحاملًا للرسالة من بعده. فقال الله تعالى على لسانه: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، وفي هذه الآية يظهر صدق العبد عندما يعترف بضعفه وحاجته إلى ربه.
فاستجاب الله دعاءه، وبشره بغلام اسمه يحيى، وهو اسم لم يُجعل لأحد قبله. وكانت ولادته معجزة، لأن زكريا كان كبير السن وزوجته كانت عاقرًا، لكن قدرة الله لا يحدها شيء، فهو سبحانه إذا أراد أمرًا قال له كن فيكون.
ومن قصة زكريا ويحيى نتعلم أن الدعاء لا يرتبط بالأسباب الظاهرة فقط، فالله قادر على تغيير الأحوال وتحقيق ما يراه الإنسان مستحيلًا. كما نتعلم أن المؤمن لا ينبغي أن يفقد الأمل مهما اشتدت الظروف، لأن خزائن الله واسعة ورحمته عظيمة.
ثم تنتقل السورة إلى قصة مريم عليها السلام، وهي من أعظم القصص التي وردت في القرآن. كانت مريم فتاة طاهرة اختارها الله واصطفاها، وقد عاشت في عبادة وخدمة بيت المقدس، وكانت مثالًا للعفاف والتقوى.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾. فقد اعتزلت أهلها في مكان بعيد للعبادة والخلوة، فجاءها جبريل عليه السلام في صورة بشر، فخافت منه وقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾.
فطمأنها جبريل وأخبرها أنه رسول من عند الله ليهب لها غلامًا زكيًا. تعجبت مريم وقالت كيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ فأخبرها أن هذا الأمر هين على الله، وأنه سيكون آية للناس ورحمة منه سبحانه.
كانت ولادة عيسى عليه السلام معجزة عظيمة، فقد ولد من أم بلا أب، ليكون دليلًا على قدرة الله المطلقة. وكما خلق الله آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من غير أم، فإنه قادر على أن يخلق عيسى من أم فقط.
عندما جاء وقت الولادة، شعرت مريم بالألم والوحدة، فذهبت إلى مكان بعيد، لكنها لم تكن متروكة من الله، فقد أحاطتها عناية الرحمن، فجعل لها الطعام والشراب، وأمرها أن تهز جذع النخلة فتساقط عليها الرطب.
وفي هذا درس عظيم، فالله يطلب من عباده الأخذ بالأسباب حتى وإن كانت بسيطة، فمريم كانت تستطيع أن تنتظر الرزق من الله، لكنها أُمرت بأن تهز جذع النخلة، مع أن هزّها لم يكن سببًا حقيقيًا لنزول الرطب، ولكنها طاعة لله وتأكيد على أن الإنسان يعمل بما يستطيع ثم يتوكل على الله.
ثم حملت مريم طفلها وعادت إلى قومها، فاتهموها واتعجبوا من أمرها، لأنها جاءت بشيء لم يعتادوه. لكنها أشارت إلى عيسى عليه السلام، فكان كلامه وهو في المهد معجزة أخرى من الله تعالى.
قال عيسى عليه السلام: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. وكانت أول كلمة قالها إعلان عبوديته لله، ليبين أن منزلته مهما عظمت فهي لا تخرجه عن كونه عبدًا لله ورسولًا من رسله.
وفي هذا رد على من غلوا في عيسى عليه السلام، فالإسلام يكرم عيسى وأمه مريم أعظم تكريم، لكنه يؤكد أن العبادة لا تكون إلا لله وحده.
وتستمر السورة بعد ذلك في ذكر عدد من الأنبياء، لتبين أن طريق الإيمان واحد، وأن جميع الرسل دعوا إلى عبادة الله والإخلاص له.
ومن الدروس المهمة في بداية سورة مريم أن رحمة الله تظهر في أصعب اللحظات، فزكريا عندما ظن أن العمر مضى به رزقه الله يحيى، ومريم عندما واجهت أصعب ابتلاء حفظها الله ونصرها، وهذا يعلم المؤمن أن الله لا يترك عباده الصادقين.
تفسير سورة مريم (الجزء الثاني)
بعد أن عرضت سورة مريم قصة زكريا عليه السلام وقصة مريم وعيسى عليه السلام، تنتقل السورة إلى ذكر عدد من أنبياء الله تعالى، لتؤكد أن الرسالة التي جاء بها جميع الأنبياء واحدة، وهي الدعوة إلى توحيد الله وعبادته وحده، والتحلي بالأخلاق الفاضلة والطاعة والصبر.
يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾. فقد كان إبراهيم عليه السلام من أعظم أنبياء الله، واشتهر بالصدق والإخلاص وقوة الإيمان. وتعرض السورة جانبًا من حواره مع أبيه عندما كان أبوه يعبد الأصنام.
لم يكن إبراهيم قاسيًا مع أبيه رغم اختلافه معه في العقيدة، بل خاطبه بأجمل الكلمات وألطف العبارات، فكان يقول له: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾. فكان يدعوه بالحكمة والرحمة، مبينًا له أن عبادة الأصنام لا تنفع ولا تضر.
وهنا نتعلم أسلوب الدعوة الصحيح، فالداعية يحتاج إلى الحكمة واللين، لأن القلوب لا تُفتح بالقسوة وإنما بالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة. ومع ذلك، عندما أصر والد إبراهيم على الباطل وهدده، حافظ إبراهيم على الأدب ولم يقابل الإساءة بالإساءة، بل قال له: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾.
ثم تذكر السورة إسحاق ويعقوب عليهما السلام، وتبين فضل الله عليهما، فقد جعل في ذريتهما النبوة والخير والبركة. وهكذا يتضح أن الله يختار من عباده من يشاء، ويمنحهم من فضله ما يجعلهم قدوة للناس.
بعد ذلك يأتي ذكر موسى عليه السلام، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾. فقد اختار الله موسى وكلمه تكليمًا، وأرسله إلى فرعون وقومه بالحق والهدى.
كما تذكر السورة أخاه هارون عليه السلام، الذي كان نبيًا كريمًا، وجعل الله له مكانة عظيمة بين قومه. ومن قصة موسى نتعلم أن الله يختار لعباده من يعينهم، وأن الإنسان مهما كانت مهمته كبيرة فإنه يحتاج إلى من يسانده ويقف معه.
ثم تنتقل السورة إلى ذكر إسماعيل عليه السلام، فقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾. وقد اشتهر إسماعيل بالوفاء والصدق، وهي صفة عظيمة تدل على قوة الإيمان وحسن الأخلاق.
ثم تذكر السورة إدريس عليه السلام، فقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. وهذا يدل على رفعة منزلة أهل الطاعة والإيمان عند الله.
بعد ذكر هؤلاء الأنبياء، تنتقل السورة إلى الحديث عن أقوام جاءوا بعدهم، لكنهم تركوا طريق الهداية واتبعوا الشهوات، فقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾.
وهذه الآية تحمل تحذيرًا شديدًا من الابتعاد عن الصلاة، لأنها الصلة التي تربط العبد بربه. فالمؤمن عندما يحافظ على صلاته يحافظ على قلبه وإيمانه، أما عندما يهملها فإنه يكون معرضًا للضياع والانحراف.
لكن رحمة الله تظهر مرة أخرى، فقد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾. فباب التوبة مفتوح دائمًا، مهما أخطأ الإنسان، فإن الرجوع إلى الله يمحو الذنوب ويعيد للعبد طريق الخير.
ثم تتحدث السورة عن الجنة ونعيمها، وتبين أن وعد الله حق، وأن المؤمنين الذين صبروا وثبتوا على الإيمان لهم جزاء عظيم. كما ترد على من يستبعدون البعث والحساب، وتؤكد أن الذي خلق الإنسان أول مرة قادر على إعادته بعد الموت.
ومن المعاني العظيمة في سورة مريم أنها تجمع بين الخوف والرجاء؛ فهي تذكر عظمة الله وقدرته، وتحذر من الغفلة والعصيان، وفي الوقت نفسه تفتح أبواب الأمل والرحمة أمام كل من يريد العودة إلى الله.
كما تتحدث السورة عن موقف المشركين الذين نسبوا لله الولد، وترد عليهم بقوة، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾. فالله سبحانه منزّه عن صفات المخلوقين، فهو الواحد الأحد، الغني عن كل شيء، وكل الخلق عباده المحتاجون إليه.
وتختتم السورة بتأكيد مكانة القرآن الكريم، وأنه نزل بلسان عربي مبين ليكون تذكيرًا وهداية للناس. فالقرآن ليس مجرد كتاب يُقرأ، بل هو نور يهدي القلوب ويصلح حياة الإنسان إذا تدبر معانيه وعمل بأحكامه.
إن سورة مريم تحمل رسائل كثيرة لكل مسلم؛ فهي تعلمنا أن الدعاء لا يضيع عند الله، وأن الصبر على الابتلاء طريق للفرج، وأن الطهارة والإيمان يرفعان الإنسان عند ربه. كما تعلمنا أن الأنبياء رغم مكانتهم الكبيرة كانوا عبادًا لله، وأن النجاة الحقيقية تكون بالقرب من الله والعمل الصالح.
وفي النهاية، تبقى سورة مريم سورة رحمة وأمل، تذكر الإنسان بأن الله يسمع دعاءه، ويرى ضعفه، ويعلم ما في قلبه، وأن بعد كل ابتلاء فرجًا، وبعد كل صبر رحمة، وأن من تعلق بالله فلن يضيعه الله أبدًا.
والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تعليقات
إرسال تعليق