تفسير سورة البقرة
تفسير سورة البقرة (الجزء الأول)
تُعد سورة البقرة من أعظم سور القرآن الكريم وأطولها، إذ يبلغ عدد آياتها 286 آية، وهي أول سورة مدنية نزلت على النبي محمد ﷺ بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، باستثناء آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ التي ذكر كثير من أهل العلم أنها من آخر ما نزل من القرآن. وقد اشتملت السورة على موضوعات متنوعة تجمع بين العقيدة والعبادات والأحكام والقصص والمواعظ، حتى أصبحت منهجًا متكاملًا ينظم حياة المسلم في مختلف جوانبها.
وسميت هذه السورة باسم البقرة نسبة إلى القصة التي وردت فيها، حين أمر الله تعالى بني إسرائيل بذبح بقرة ليكشف لهم حقيقة جريمة قتل وقعت بينهم، لكنهم قابلوا الأمر بكثرة الأسئلة والتردد، فكان في ذلك درس عظيم يبين أن المؤمن ينبغي أن يستجيب لأمر الله دون تعنت أو مماطلة.
ولسورة البقرة مكانة عظيمة في الإسلام، فقد أخبر النبي ﷺ أن قراءتها بركة وتركها حسرة، وأن الشياطين تنفر من البيت الذي تُقرأ فيه. كما أنها اشتملت على أعظم آية في القرآن الكريم، وهي آية الكرسي، وختمت بآيتين عظيمتين فيهما دعاء وتضرع لله تعالى، وكان النبي ﷺ يحث المسلمين على المحافظة عليهما.
تبدأ السورة بالحروف المقطعة ﴿الم﴾، وهي من الأمور التي استأثر الله بعلم حقيقتها، وقد ذكر العلماء فيها أقوالًا متعددة، لكن الراجح أن الحكمة منها بيان إعجاز القرآن، وأن هذا الكتاب العظيم مكوَّن من الحروف نفسها التي يعرفها العرب، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله.
بعد ذلك يقول الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، أي إن هذا القرآن هو الكتاب الكامل الذي لا شك في صدقه، وهو هداية لمن أراد الحق وسعى إليه بقلب صادق. ثم يذكر الله صفات المتقين، فيبين أنهم يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بجميع ما أنزل على الأنبياء، ويوقنون بالآخرة، فهذه الصفات هي أساس نجاح المؤمن في الدنيا والآخرة.
ثم تنتقل السورة إلى الحديث عن الكافرين الذين أغلقوا قلوبهم عن الحق، فلم يعودوا ينتفعون بالموعظة، بسبب إصرارهم على الكفر والعناد، ولذلك ختم الله على قلوبهم وسمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة جزاءً لإعراضهم المستمر عن الهدى.
وبعد ذلك تتحدث السورة بإسهاب عن المنافقين، وهم الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر في قلوبهم. وقد وصفتهم السورة وصفًا دقيقًا، لأن خطرهم على المجتمع أكبر من خطر الكافرين المعلنين بعداوتهم. فهم يدّعون الإصلاح بينما يفسدون، ويخادعون المؤمنين، لكنهم في الحقيقة لا يخدعون إلا أنفسهم. وشبههم الله بمن استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله أطفئت، فبقي في ظلمات لا يهتدي إلى الطريق، كما شبههم بمن أصابه مطر شديد فيه ظلمات ورعد وبرق، فأصبح حائرًا لا يدري أين يسير، وكل ذلك تصوير لحال من فقد نور الإيمان.
بعد بيان أصناف الناس، يوجه الله تعالى نداءً عامًا إلى البشرية كلها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فيدعو الجميع إلى عبادة الله وحده، لأنه الخالق والرازق والمدبر، وهو الذي أنعم على عباده بالأرض والسماء والماء والزرع والثمرات. ثم يتحدى الله المشركين أن يأتوا بسورة واحدة مثل القرآن إن كانوا يشكون في أنه من عند الله، وهو تحدٍّ ما زال قائمًا إلى يوم القيامة، ولم يستطع أحد أن يجيب عنه.
ثم تذكر السورة بشارة المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فتصف نعيم الجنة وما أعده الله لهم من جنات تجري من تحتها الأنهار، ورزق دائم، وأزواج مطهرة، وخلود لا ينقطع. وفي المقابل تحذر من عذاب النار الذي أعد للكافرين والمكذبين.
بعد ذلك تبدأ قصة خلق آدم عليه السلام، حيث أخبر الله الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة، فاستفسروا عن الحكمة من خلق من قد يقع في الفساد وسفك الدماء، فأخبرهم سبحانه أنه يعلم ما لا يعلمون. ثم علم آدم الأسماء كلها، وأظهر فضله بالعلم، فأمر الملائكة بالسجود له سجود تكريم، فسجدوا جميعًا إلا إبليس الذي تكبر واستعلى، فكان من الكافرين.
وتعلمنا هذه القصة أن العلم من أعظم النعم، وأن الكبر سبب للهلاك، وأن طاعة الله هي طريق النجاة، مهما بدا الأمر صعبًا على النفس. كما تبين أن الإنسان قد يخطئ، لكن باب التوبة يبقى مفتوحًا لمن رجع إلى الله بصدق، فقد تاب الله على آدم عليه السلام بعدما أكل من الشجرة، وقبل توبته برحمته الواسعة.
ومن خلال هذه الآيات الأولى، يتضح أن سورة البقرة تؤسس لعقيدة المسلم، وتغرس في قلبه الإيمان بالله واليوم الآخر، وتعلمه أن طريق الهداية يبدأ بالإخلاص، والعمل الصالح، والتمسك بكتاب الله، والابتعاد عن الكبر والنفاق والعناد، وهي المعاني التي ستتكرر في بقية السورة بأساليب متنوعة وقصص مليئة بالعبر.
تفسير سورة البقرة (الجزء الثاني)
بعد انتهاء الحديث عن قصة آدم عليه السلام، تنتقل سورة البقرة إلى الحديث عن بني إسرائيل، لأنهم كانوا من أكثر الأمم التي أنعم الله عليها، ومع ذلك قابل كثير منهم تلك النعم بالجحود والعصيان. فيذكّرهم الله تعالى بقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، أي تذكروا ما أنعم الله به عليكم من النجاة من فرعون، وإنزال التوراة، وإرسال الأنبياء من بينكم، حتى يدفعكم ذلك إلى شكر الله وطاعته.
ويأمرهم سبحانه بالوفاء بالعهد الذي أخذ عليهم، وهو الإيمان بالله ورسله والعمل بما أنزل عليهم، ويبين أن من أوفى بعهده مع الله وفى الله له بوعده بالرحمة والمغفرة. كما حذرهم من كتمان الحق وتحريف كلام الله، لأن العالم إذا أخفى الحق أو بدله كان إثمه أعظم من غيره.
ثم يلفت القرآن النظر إلى خطورة التناقض بين القول والعمل، فيقول سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وهي آية عظيمة تعلم المسلم أن يبدأ بإصلاح نفسه قبل أن يدعو غيره، وأن يكون قدوة في أخلاقه وسلوكه، فلا يأمر بشيء وهو أول من يخالفه.
ويأمر الله عباده بالاستعانة بالصبر والصلاة، لأنهما من أعظم الأسباب التي تعين الإنسان على مواجهة صعوبات الحياة. فالصبر يمنح القلب قوة وثباتًا، والصلاة تقوي صلة العبد بربه، وتجدد في نفسه الطمأنينة واليقين، ولذلك كان النبي ﷺ إذا اشتد عليه أمر لجأ إلى الصلاة.
ثم يذكر الله بني إسرائيل بالنعم الكثيرة التي خصهم بها، ومنها إنقاذهم من بطش فرعون الذي كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، ثم شق البحر لهم حتى عبروا سالمين، وأغرق عدوهم أمام أعينهم، ليكون ذلك دليلًا واضحًا على قدرة الله ونصره لعباده المؤمنين.
ورغم هذه الآيات العظيمة، وقع منهم ما يدل على ضعف الإيمان، فقد عبدوا العجل بعد ذهاب موسى عليه السلام لميقات ربه، فكانت فتنة عظيمة كشفت تعلق بعضهم بالدنيا وسرعة انحرافهم عن طريق الحق. ومع ذلك فتح الله لهم باب التوبة، رحمة منه بعباده، ليعلم الناس أن الله يقبل توبة من رجع إليه صادقًا.
كما تذكر السورة قصة طلبهم رؤية الله جهرة، وهو طلب يدل على التعنت وعدم التسليم، فعاقبهم الله بالصاعقة ثم أحياهم بعد موتهم، ليكون ذلك عبرة لهم ودليلًا على أن الله قادر على كل شيء.
ومن نعم الله عليهم أيضًا أنه أنزل عليهم المن والسلوى في صحراء سيناء، وجعل الغمام يظلهم من حر الشمس، ولكنهم لم يشكروا هذه النعم حق شكرها، بل طلبوا أطعمة أخرى، فكان في ذلك مثال على أن النفس إذا اعتادت الاعتراض قد لا ترضى مهما كثرت النعم.
وتأتي بعد ذلك قصة البقرة، وهي القصة التي سميت السورة باسمها. فقد وقع قتل بين بني إسرائيل، واختلفوا في معرفة القاتل، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، لكنهم أكثروا من الأسئلة عن لونها وعمرها وصفاتها، ولو أنهم امتثلوا الأمر من البداية لكفاهم أي بقرة. إلا أن كثرة الجدل شددت عليهم، حتى وجدوا البقرة المطلوبة بعد مشقة كبيرة، ثم أمرهم الله أن يضربوا الميت بجزء منها، فأحياه الله وأخبرهم بمن قتله، فظهرت الحقيقة وزال الخلاف.
وتحمل هذه القصة دروسًا كثيرة، أهمها أن المؤمن يسارع إلى تنفيذ أوامر الله دون تعنت، وأن كثرة الجدل في أوامر الشرع قد تكون سببًا في المشقة، كما أنها تؤكد قدرة الله على إحياء الموتى، وهي حقيقة سيشهدها الناس يوم القيامة.
ثم يبين الله أن بعض القلوب قد تقسو حتى تصبح أشد قسوة من الحجارة، فالحجارة قد يتفجر منها الماء، أو تتشقق، أو تهبط من خشية الله، أما القلب القاسي فلا يتأثر بالموعظة ولا ينتفع بالذكر، ولهذا كان المسلم بحاجة دائمة إلى تلاوة القرآن، وذكر الله، ومحاسبة نفسه حتى يبقى قلبه حيًا بالإيمان.
وتواصل السورة كشف مواقف بعض أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون الحق، لكنهم أخفوه أو حرفوه اتباعًا لأهوائهم، مع أن صفات النبي محمد ﷺ كانت مذكورة في كتبهم، إلا أن الحسد وحب الرياسة منع كثيرًا منهم من الإيمان به.
ومن خلال هذه الآيات، يتضح أن سورة البقرة لا تذكر قصص الأمم السابقة لمجرد سرد الأحداث، وإنما لتكون مصدرًا للعبرة والهداية، حتى لا يقع المسلم فيما وقعوا فيه من أخطاء. فكل قصة تحمل رسالة، وكل موقف يدعو إلى مراجعة النفس وتقوية الإيمان والتمسك بطاعة الله ورسوله.
وهكذا تستمر السورة في بناء شخصية المؤمن، من خلال ربطه بتاريخ الأمم السابقة، وتعليمه أن النجاة ليست بالانتساب إلى قوم أو أمة، وإنما بالإيمان الصادق والعمل الصالح، وأن فضل الله يناله من أطاعه واتبع هداه.
والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تعليقات
إرسال تعليق