القائمة الرئيسية

الصفحات

 ملخص كتاب الداء والدواء 


قراءة في كتاب: 

الداء والدواء لابن القيم رحمه الله.
كتبه/ محمود الشرقاوي.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإنّ هذا الكتاب الذي اشتهر بعنوان "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، وطبع مرّات باسم "الداء والدواء"، من أنفع الكتب في تهذيب النفوس، واستثارتها للكفّ عن المعاصي والتوبة النصوح.

ترجمة المؤلف: بن قيِّم الجوزية (691 - 751هـ)
مختارات من كتاب الداء والدواء

أهمية الكتاب:

إذا كان المجتمع الذي عاش فيه المؤلف رحمه الله بحاجة إلى هذا الكتاب - على ما فيه من تمسّك بالدين ومحافظة على الأخلاق والآداب- فإن مجتمعاتنا الآن إليه لأحوج، إذ صارت تمور بأسباب الفساد، بعد ما نجح الغواة في كثير من البلدان الإِسلامية في استدراج المرأة المسلمة تحت شعارات خادعة إلى نزع الحجاب والاختلاط بالرجال فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا. ثم تفنّن إخوان الشياطين في إيجاد وسائل جديدة لإثارة الغرائز وإشاعة الفاحشة في الذين اَمنوا، فقد علموا أنّ الانحلال الخلقي هو أقرب طريق إلى تدمير الأمّة، فانتشرت المواقع الإباحية وصور العُري حتى أغروا الشباب والرجال والنساء من كافة الأعمار حتى وصل الأمر عند البعض للإدمان ونري بعض المؤسسات في دول الغرب ترفع وتدعم شعار اللواط والمثليين وتغزوا به بلاد الإسلام بلا استحياء والله المستعان على ما يدبرون، وهذا الكتاب في هذه الآونة فيه علاج لهذه الفتن.

نبذة عن الكتاب:

1- كان أصل هذا الكتاب جوابًا عن سؤال وُجِّه إلى الإمام ابن القيم رحمه الله، من رجل ابتُلي ببلاء خشي أن يفسد عليه دينه ودنياه، وقد بذل جهده للتخلص منه، لكنه كان يزداد قوةً واستحكامًا. وكان المقصود بهذا البلاء هو داء العشق.

2- لم يقتصر ابن القيم في جوابه على علاج العشق وحده، بل توسع في بيان خطر الذنوب والمعاصي وآثارها على القلب والدين والحياة.

3- بدأ حديثه ببيان أن القرآن الكريم شفاء لما في الصدور، ثم أوضح أن الأذكار والآيات والأدعية نافعة في ذاتها، غير أن تمام أثرها يحتاج إلى صدق الإقبال على الله، وقوة اليقين، واستعداد القلب لتلقي الشفاء. كما تناول أسباب تأخر الاستجابة للدعاء، والشروط التي تعين على قبوله، والعوائق التي تحول دون ذلك.

4- ثم أفرد فصلًا في حسن الظن بالله تعالى، مبينًا الفرق بين حسن الظن المشروع وبين الاغترار والأماني الكاذبة.

5- وبعد ذلك تحدث بإسهاب عن أضرار الذنوب وآثارها على الأفراد والمجتمعات، وما يترتب عليها من عقوبات في الدنيا والآخرة، وبيّن أن المعصية كانت سببًا في خروج آدم وحواء من الجنة، كما كانت سببًا في طرد إبليس من رحمة الله.

6- ثم ذكر عددًا كبيرًا من آثار المعاصي على الفرد، ومن أبرزها:
أن الذنب يجر إلى ذنب آخر.
ضعف الإرادة عن فعل الخير.
هوان العبد على ربه.
امتداد شؤم الذنوب إلى من حوله.
تورث الذل والانكسار.
إفساد العقل وإضعاف البصيرة.
قسوة القلب والطبع عليه.
استحقاق اللعنة في بعض الذنوب.
ذهاب الحياء والغيرة.
ضعف تعظيم الله في القلب.
نسيان العبد لربه ولنفسه.
زوال النعم ونقص البركة.
امتلاء القلب بالخوف والقلق.
أمراض القلوب وضعف الإيمان.
محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل والطاعة.
بقاء العاصي أسيرًا لشهواته ووساوس الشيطان.

7- تناول ابن القيم المنافذ التي يتسلل منها الشيطان إلى قلب الإنسان، فبدأ بالحديث عن العين والأذن، وبيّن أن القلب إذا غفل عن ذكر الله، وانشغل بالشهوات، وسيطر عليه الغضب، أصبح مهيأً لاستحواذ الشيطان عليه.

8- ثم انتقل إلى بيان آثار الذنوب على الإنسان، موضحًا أنها تُنسي العبد نفسه، وتكون سببًا في زوال النعم الموجودة، وانقطاع النعم القادمة، كما أنها تقود صاحبها إلى الهلاك إن لم يتب إلى الله.

9- وبعد ذلك أفرد فصلًا للحديث عن العقوبات الشرعية من حدود وتعزيرات، مبينًا أنها شُرعت لردع من لم ينتفع بالموعظة. وقسّم العقوبات الشرعية إلى ثلاثة أنواع: القتل، والقطع، والجلد، كما قسم العقوبات القدرية إلى نوعين: ما يصيب القلب، وما يصيب البدن، وذكر نماذج منها ليزداد العبد حذرًا من الوقوع في المعاصي.

10- ثم تحدث عن أصل الذنوب، وذكر أنها ترجع إلى نوعين: ترك ما أمر الله به، أو فعل ما نهى عنه، وهما الأصلان اللذان وقع بهما الابتلاء لأبوي الجن والإنس. وبعد ذلك صنف الذنوب إلى أربعة أقسام: الملكية، والشيطانية، والسبعية، والبهيمية، ثم قسّمها إلى كبائر وصغائر، موضحًا أن الإصرار على الصغائر والاستهانة بها قد يجعلها في حكم الكبائر. كما تناول أنواع الشرك في الأقوال والأفعال والنيات والإرادات، وشرح حقيقته، وبيّن أنه أعظم الذنوب عند الله تعالى.

11- ثم تناول صور الظلم والعدوان، مبينًا أن القتل من أشدها، وشرح ما يترتب عليه من حقوق، كما أوضح أن الزنا من أعظم المفاسد لما يترتب عليه من ضياع الأنساب واختلال نظام المجتمع. وذكر أن حفظ أربع خصال يعين العبد على سلامة دينه، وهي: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات. ثم فصّل في أضرار الزنا، وبيّن الحكمة من شدة عقوبته، وتحدث كذلك عن فاحشة اللواط، وردّ على من خفف من عقوبتها، ثم تطرق إلى بعض المسائل المتعلقة بها.

12- وبعد ذلك انتقل إلى الحديث عن علاج الزنا واللواط، وهو المقصود الرئيس من جوابه؛ لأن داء العشق يعد من أهم الأسباب المؤدية إليهما. وأوضح أن العلاج يقوم على أمرين: الوقاية من أسبابه قبل وقوعه، وعلاج آثاره بعد حصوله.

13- ثم بدأ بشرح الوسيلة الأولى، وهي الوقاية قبل وقوع العشق، وذكر أن ذلك يتحقق بأمرين: أولهما غض البصر وما يترتب عليه من فوائد عظيمة، وثانيهما حماية القلب من التعلق بما يوقعه في أسر العشق، سواء بسبب خوف أو حب. وأكد أن محبة الله لا تجتمع مع التعلق المحرم بالصور، لأن المحبة الصادقة لله تملأ القلب وتمنعه من التعلق بما سواه، كما بيّن أن أصل الشرك هو إشراك غير الله في المحبة، وذكر مراتب المحبة، وأن السعادة الحقيقية تكون بمحبة الله ومحبة ما يحبه سبحانه.

14- ثم انتقل إلى الطريق الثاني، وهو علاج العشق بعد وقوعه، وذكر أن القرآن أشار إلى هذا المرض عند طائفتين من الناس: النساء وقوم لوط.

15- فبدأ بالحديث عن النساء، واستشهد بقصة امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام، موضحًا كثرة الدوافع التي كانت تدعوه إلى الفاحشة، ومع ذلك قدّم خوف الله ومرضاته، واختار السجن على الوقوع فيما يغضب ربه.

16- ثم تحدث عن الطائفة الثانية، وهم قوم لوط، وذكر أن هذا الداء من أعسر الأمراض علاجًا، ووصفه بأنه من أخطر ما يفسد القلوب. كما بيّن أن التعلق المحرم بالصور له درجات، فقد يبلغ بصاحبه حد الشرك إذا قدّم رضا معشوقه على رضا الله، أو جعله ندًّا لله في المحبة.

17- وبعد ذلك أوضح علاج هذا الداء، وهو أن يدرك الإنسان أنه يتنافى مع كمال التوحيد، ثم يكثر من الطاعات الظاهرة والباطنة، ويشغل قلبه بما ينفعه، مع دوام الدعاء والالتجاء إلى الله ليصرف عنه هذا البلاء.

18- ثم بيّن ما يترتب على العشق من مفاسد دينية ودنيوية، وذكر الأحوال التي يمر بها العاشق، وما ينبغي أن يلتزمه في كل مرحلة، كما أوضح أن العشق المحرم يشتمل على صور متعددة من الظلم والعدوان.

19- وبعد ذلك ناقش أقوال من ذكروا للعشق فوائد أو استشهدوا بقصص العشاق، وردّ عليهم موضحًا أن العشق في ذاته لا يوصف بالمدح أو الذم إلا بحسب متعلقه وآثاره، فمنه المباح، ومنه المحرم، ومنه النافع والضار. ثم أكد أن أعظم أنواع المحبة وأشرفها هي محبة الله تعالى، وأنها أصل السعادة في الدنيا والآخرة.

20- ثم عقد فصلًا خاصًا في محبة الزوجة، وبيّن أنها محبة فطرية لا يُلام عليها الإنسان، بل هي من كمال طبيعته. وأوضح أن الزواج هو العلاج المشروع للعشق. كما قسم العشق إلى ثلاثة أنواع: عشق مشروع، وهو محبة الرجل لزوجته، وعشق محرم، وهو التعلق بالمردان، وعشق يقع بغير اختيار، كمن يرى امرأة فجأة فيتعلق بها دون قصد، فإذا عفّ وصبر وكتم أمره وترك الحرام ابتغاء مرضاة الله، أثابه الله وعوضه خيرًا.

21- وفي ختام هذا الباب، تناول حديث: «من عشق فعف...»، ونقل أقوال عدد من أئمة الحديث الذين بيّنوا أنه حديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نسبته إليه غير ثابتة.


 فوائد والمعاني العظيمة لكتاب الداء و الدواء:

هذه فوائد لطيفة، ومعانٍ عظيمة، ومنقولات نافعة، ومواعظُ سديدة، انتقيتُها واختصرتها من كتاب (الداء والدواء)،

1-كلمة (من) في قوله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ ﴾ [الإسراء: 82]:

قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الإسراء: 82].
كلمة (من) ها هنا لبيان الجنس لا للتبعيض؛ فإن القرآن كله شفاء ورحمة للمؤمنين، فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشَّكِّ والرَّيب، ولم ينزل الله تعالى من السماء شفاءً قط أعمَّ ولا أنفع، ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن؛ [ص: 13].

2-التداوي بالفاتحة:

ولو أحسن العبدُ التداويَ بالفاتحة، لرأى لها تأثيرًا عجيبًا في الشفاء؛ [ص: 14].

3-الدعاء من أنفع الأدوية في إزالة الدَّاءِ:

الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدوُّ البلاء، يُدافعه ويُعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن؛ [ص: 16].

4-من أسرار الدعاء:

كثيرًا ما نجد أدعيةً دعا بها قومٌ فاستُجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنة تقدَّمت منه جَعَلَ الله سبحانه وتعالى إجابة دعوته شكرًا لحسنته، أو صادفت وقتَ إجابة، ونحو ذلك، فأُجيبت دعوته، فيظن الظَّانُّ أن السرَّ في لفظ ذلك الدعاء، فيأخذه مجردًا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي؛ [ص: 25].

5-الدعاء بمنزلة السلاح:

والأدعية والتعوُّذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه، لا بحدِّهِ فقط؛ فمتى كان السلاح سلاحًا تامًّا لا آفة به، والساعد ساعدًا قويًّا، والمانع مفقودًا، حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلَّف واحد من هذه الثلاثة، تخلَّف التأثير، فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو كان ثَمَّ مانعٌ من الإجابة، لم يحصُلِ الأثر؛ [ص: 26].

6-الاستنصار على العدو بالدعاء:

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستنصر بـ(الدعاء) على عدوِّه، وكان أعظم جنده به، وكان يقول لأصحابه: "لستم تُنصَرون بكثرة، وإنما تُنصرون من السماء"، وكان يقول: "إني لا أحمل هَمَّ الإجابة ولكن همَّ الدعاء، فإذا أُلهمتم الدعاء فإن الإجابة معه"؛ [ص: 28].

7-الأسباب الجالبة للخير:

دلَّ العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم - على اختلاف أجناسها ومِلَلِها ونِحَلِها - على أن التقرُّب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خَلْقِه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استُجْلِبت نِعَمُ الله تعالى، واستُدْفِعت نِقْمته، بمثل طاعته والتقرب إليه، والإحسان إلى خلقه؛ [ص: 29].

8-حسن الظن بالله هو حسن العمل:

من تأمَّل حقَّ التأمل، علِم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حُسْنُ ظنِّه بربِّه أن يجازيه على أعماله، ويُثيبه عليها، ويتقبلها منه، فالذي حمله على حسنِ العمل حسنُ الظن، فكلما حسُن ظنُّه بربه، حسن عمله، وإلا فحُسْنُ الظن مع اتباع الهوى عجز؛ [ص: 39].

9-بين عفو الله وأمره:

كثيرٌ من الجُهَّال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيَّعوا أمره ونهيه، ونسُوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يُرَدُّ بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب، فهو كالمعاند؛ [ص: 41].

10-خير الناس وشر الناس:

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: كما أن خير الناس الأنبياء؛ فشرُّ الناس من تشبَّه بهم من الكذَّابين، وادَّعى أنه منهم وليس منهم، فخير الناس بعدهم: العلماء، والشهداء، والمتصدقون المخلصون، وشر الناس من تشبَّه بهم، يُوهِم أنه منهم وليس منهم؛ [ص: 52].

11-الاستدراج بنِعَمِ الله:

قال بعض السلف: "إذا رأيت الله يتابع عليك نِعَمَه، وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج يستدرجك به".

وقال بعض السلف: "رُبَّ مُستدْرَجٍ بنعم الله عليه وهو لا يعلم، ورب مغرور بستر الله عليه وهو لا يعلم، ورب مفتون بثناء الناس عليه وهو لا يعلم"؛ [ص: 54، 55].

12-الفرق بين حسن الظن والغرور:

إنَّ حُسْنَ الظن إنْ حُمِلَ على العمل، وحثَّ عليه، وساق إليه، فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور؛ [ص: 59].

13-الإتيان بالأسباب من لوازم الرجاء وحسن الظن:

الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه، وقدره، وثوابه، وكرامته، فيأتي العبد بها ثم يُحْسِن ظنه بربه، ويرجوه ألَّا يَكِلَه إليها، وأن يجعلها موصلة لما ينفعه، ويصرف عنه ما يعارضها ويبطل أثرها؛ [ص: 60].

14-العمل مع الخوف:

من تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم، وجَدَهم في غاية العمل مع غاية الخوف، فكان الصِّدِّيق رضي الله عنه إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل، وكان عمر رضي الله عنه يمر بالآية في وِرْدِهِ بالليلة فتُخيفه، فيبقى في البيت أيامًا يُعاد يحسبونه مريضًا، وهذا عثمان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبتلَّ لحيته، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يشتد خوفه من طول الأمل واتباع الهوى؛ فيقول: "فأما طول الأمل فيُنسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألَا وإن الدنيا قد ولَّت مُدْبِرة والآخرة مُقْبلة، ولكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل؛ [ص: 63، 64].

15-ضرر الذنوب والمعاصي:

الذنوب والمعاصي تضر ولا بد، وإنَّ ضَرَرَها في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟

فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دارِ اللذة والنعيم، والبهجة والسرور، إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
وما الذي أخرج إبليسَ من ملكوت السماء، وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه؟
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟
وما الذي سلط الريح على قوم عاد، حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطَّعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم، وأتبعهم حجارة من السماء؟
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظُّلَلِ، وأمطر عليهم نارًا تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح؟ وأهلك قوم صاحب يس بالصيحة؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولي بأس شديد؟ [ص: 66، 67].

16-ضياع أمر الله سبب للهوان والهلاك:

أورد الإمام أحمد في كتاب الزهد بسند صحيح، عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، قال: "لما فُتِحت قبرص، ففرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره! بينا هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى"؛ [ص: 67، 68].

17-الحسنات يولد بعضها بعضًا، وكذلك المعاصي:

المعاصي تزرع أمثالها، ويُولِّد بعضها بعضًا، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، وكذلك الحسنات تدعو إلى حسنات أخرى؛ [ص: 88].

18-جنود الطاعة وجنود المعصية:

ما يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها، ويحبها ويُؤثِرها، حتى يرسل الله تعالى برحمته إليه الملائكة تَؤُزُّه إليها أزًّا، وتُحرِّضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها.
وما يزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله عليه الشياطين فتؤزه إليها أزًّا.

فالأول قوَّى جند الطاعة بالمدد، فصاروا من أكبر أعوانه، وهذا قوَّى جند المعصية بالمدد، فكانوا أعوانًا عليه؛ [ص: 88، 89].

19-التعود على المعاصي تسلخ القلب عن استقباحها:

المعاصي تسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادةً، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له كلهم، ولا كلامهم فيه.
وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التَّهتُّك وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان، عملت كذا وكذا؛ [ص: 89، 90].

20-المعاصي سبب لهوان العبد:

ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه، وسقوطه من عينه؛ قال الحسن البصري: "هانوا عليه فعصَوه، ولو عزُّوا عليه لَعَصَمَهم".
وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾ [الحج: 18]، وإن عظَّمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم، أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه؛ [ص: 91].

21-المعاصي تُورِثُ الذُّلَّ:

المعصية تورث الذل ولا بد، فإن العزَّ كلَّ العز في طاعة الله؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ [فاطر: 10]؛ أي: فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعته، وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك، ولا تُذِلُّني بمعصيتك.
قال الحسن البصري: "إنهم وإن طَقْطَقَت بهم البغال، وهَمْلَجَت بهم البَراذِينُ، إن ذُلَّ المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذِلَّ من عصاه"؛ [ص: 92].

22-المعاصي سبب للفساد:

من آثار الذنوب والمعاصي: أنها تُحدِث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء، والزروع والثمار، والمساكن؛ قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41].
قال عكرمة: "ظهر الفساد في البر والبحر، أمَا إني لا أقول لكم: بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء"؛ [ص: 99].

23-المنع من دخول ديار ثمود إلا وهم باكون:

من تأثير المعاصي في الأرض: ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شُرْبِ مياههم، ومن الاستقاء من آبارهم، حتى أمَرَ أن يُعلَف العجين الذي عُجِن بمياههم للنواضح، لتأثير شؤم المعصية في الماء، وكذلك تأثير شؤم الذنوب في نقص الثمار وما ترمى به من الآفات؛ [ص: 100، 101].

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

تعليقات