القائمة الرئيسية

الصفحات

 تفسير سورة يوسف 



تفسير سورة يوسف (الجزء الأول)

تُعد سورة يوسف من أعظم سور القرآن الكريم، وهي السورة الثانية عشرة في ترتيب المصحف الشريف، وعدد آياتها 111 آية، وهي سورة مكية نزلت في فترة كان النبي محمد ﷺ يواجه فيها أشد أنواع الأذى من قومه. فجاءت هذه السورة لتكون مصدرًا للتسلية والتثبيت، ولتؤكد أن الصبر على البلاء طريق إلى الفرج، وأن الله سبحانه وتعالى يدبر الأمور بحكمة قد لا يدركها الإنسان في بدايتها. وقد وصف الله هذه السورة بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، لأنها تعرض قصة نبي الله يوسف عليه السلام كاملة من بدايتها إلى نهايتها، بما تحمله من أحداث متتابعة ودروس عظيمة.

تبدأ السورة برؤيا رآها يوسف عليه السلام وهو صغير، حيث قال لأبيه يعقوب عليه السلام: ﴿إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾. أدرك يعقوب أن هذه الرؤيا تحمل بشارة عظيمة، وأن ابنه سيكون له شأن كبير في المستقبل، لذلك نصحه ألا يقصها على إخوته حتى لا يزداد حسدهم له. ومن هنا نتعلم أن الإنسان لا ينبغي أن يحدث الجميع بما أنعم الله عليه، لأن النفوس تختلف، وقد يقود الحسد بعض الناس إلى ارتكاب الظلم.

كان يوسف محبوبًا عند أبيه لما رأى فيه من حسن الخلق والطهارة والذكاء، لكن هذا الحب أثار غيرة إخوته، فبدأ الشيطان يزين لهم التخلص منه. اجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم، فقال بعضهم: اقتلوا يوسف، بينما رأى آخرون أن يلقوه في بئر بعيد حتى تلتقطه إحدى القوافل. وفي النهاية اختاروا إلقاءه في الجب، وهي جريمة عظيمة ارتكبوها بدافع الحسد، وهو من أخطر الأمراض التي تصيب القلب.

استأذن الإخوة أباهم ليأخذوا يوسف معهم بحجة اللعب والتنزه، لكن يعقوب عليه السلام كان يشعر بالخوف عليه، وقال لهم إنه يخشى أن يأكله الذئب وهم عنه غافلون. ومع ذلك ألحوا عليه حتى وافق. وما إن ابتعدوا به حتى نفذوا خطتهم، فألقوه في البئر وتركوه وحيدًا، ثم عادوا إلى أبيهم ليلاً وهم يبكون، وجاؤوا بقميصه ملطخًا بدم كاذب، وزعموا أن الذئب أكله. لكن يعقوب عليه السلام أدرك أن في الأمر خداعًا، وقال كلمته المشهورة: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾.

هذه الحادثة تعلمنا أن المؤمن قد يتعرض للظلم من أقرب الناس إليه، لكن الصبر والثقة بالله هما السبيل لتجاوز المحن. كما تبين أن الكذب قد يخدع الناس في البداية، لكنه لا يستطيع أن يخفي الحقيقة إلى الأبد.

بعد ذلك مرت قافلة بالقرب من البئر، فأرسلوا من يستخرج الماء، فإذا به يجد يوسف متعلقًا بدلوه، ففرحوا به وأخفوه عن الناس وباعوه بثمن قليل، لأنهم لم يعرفوا قدره. وهذه إشارة إلى أن قيمة الإنسان لا يحددها الناس، بل يحددها الله بما يودعه فيه من خير وإيمان.

اشترى يوسف عزيز مصر، وكان من كبار رجال الدولة، وقال لزوجته: ﴿أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا﴾. وهكذا انتقل يوسف من البئر إلى بيت كريم، في صورة تؤكد أن الله إذا أراد لعبده خيرًا هيأ له الأسباب، حتى وإن بدا الطريق مليئًا بالمحن.

نشأ يوسف في بيت العزيز، ورباه الله على الأخلاق والإيمان، حتى بلغ أشده وآتاه الله الحكمة والعلم. وكان معروفًا بجماله الفائق وعفته وصدقه. ثم جاءت الفتنة الكبرى عندما راودته امرأة العزيز عن نفسه، بعدما أغلقت الأبواب وظنت أنها تستطيع أن توقعه في المعصية، لكنه قال بكل ثبات: ﴿معاذ الله﴾، ورفض الاستجابة لدعوتها، مفضلًا رضا الله على شهوة عابرة.

وتكشف هذه الحادثة أن قوة الإيمان تظهر عند مواجهة الفتن، وأن الإنسان الصالح لا يعتمد على قوته وحدها، بل يستعين بالله دائمًا. كما أن العفة من أعظم صفات المؤمن، وهي سبب لرفعة الإنسان في الدنيا والآخرة.

ولما حاول يوسف الهرب، أمسكت بقميصه فشقته من الخلف، وفي تلك اللحظة دخل العزيز، فسارعت زوجته إلى اتهام يوسف ظلمًا، لكن الله أظهر براءته، إذ شهد شاهد من أهلها بأن تمزق القميص من الخلف دليل على صدقه. ومع ذلك انتشر الخبر بين نساء المدينة، وأخذن يتحدثن عن امرأة العزيز وكيف تعلقت بفتاها.

أرادت امرأة العزيز أن تثبت لهن سبب إعجابها بيوسف، فدعته إلى مجلس جمعتهن فيه، فلما رأينه انبهرن بجماله حتى جرحن أيديهن بالسكاكين دون أن يشعرن، وقلن: ﴿ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم﴾. ومع ذلك بقي يوسف ثابتًا على طاعة الله، ولم يغيره الثناء ولا الإغراء، بل دعا ربه قائلًا: ﴿رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه﴾.

وفي استجابة لهذا الدعاء، دخل يوسف السجن ظلمًا، لكنه لم يفقد الأمل، ولم يعترض على قضاء الله، بل جعل من السجن مكانًا للدعوة إلى الله وتعليم الناس التوحيد، ليكون نموذجًا للمؤمن الذي يحول المحنة إلى فرصة، ويجعل رضى الله فوق كل اعتبار.

تفسير سورة يوسف (الجزء الثاني)

يبدأ هذا الجزء من السورة بوجود يوسف عليه السلام في السجن، بعد أن اختار السجن على الوقوع في المعصية، فكان ذلك دليلًا على أن المؤمن قد يبتلى بسبب تمسكه بدينه، لكن الله لا يضيع أجر الصابرين. وفي السجن لم يستسلم يوسف لواقعه، ولم ينشغل بالحزن أو اليأس، بل استغل وجوده بين الناس في دعوتهم إلى عبادة الله وحده، فكان يدعو إلى التوحيد قبل أن يجيب عن أسئلتهم، وهذا يدل على أن الداعية يغتنم كل فرصة لنشر الخير.

وفي السجن جاءه شابان، رأى كل واحد منهما رؤيا وطلبا منه تفسيرها لما عرفاه من صدقه وحسن خلقه. ففسر يوسف رؤياهما بإذن الله، فأخبر أحدهما أنه سيعود إلى خدمة الملك، وأخبر الآخر أنه سيُقتل وتلتهم الطيور من رأسه، فوقع الأمر كما أخبر تمامًا. وقبل أن يخرج الذي نجا، طلب منه يوسف أن يذكره عند الملك، لكنه نسي ذلك، فبقي يوسف في السجن بضع سنوات أخرى، وفي هذا درس عظيم بأن الفرج بيد الله وحده، وأن الإنسان قد يتعلق بالأسباب، لكن النجاح الحقيقي لا يكون إلا بمشيئة الله.

وبعد سنوات رأى ملك مصر رؤيا عجيبة، رأى فيها سبع بقرات سمان تأكلهن سبع بقرات عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فعجز كبار القوم عن تفسيرها، وهنا تذكر الساقي يوسف عليه السلام، فأخبر الملك عنه، وأرسل إليه ليسأله عن تفسير الرؤيا. فبين يوسف أن البلاد ستعيش سبع سنوات من الخصب يعقبها سبع سنوات من الجفاف والقحط، ونصحهم بادخار الطعام في سنوات الرخاء استعدادًا لسنوات الشدة، فكان تفسيره دليلًا على حكمته وبعد نظره.

ولما أعجب الملك بعلمه طلب إخراجه من السجن، لكن يوسف رفض أن يخرج قبل أن تظهر براءته أمام الجميع، حتى يعلم الناس أنه دخل السجن ظلمًا وليس بسبب ذنب ارتكبه. فحقق الملك في القضية، واعترفت امرأة العزيز أمام الناس بخطئها، وقالت: ﴿الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾، وبذلك ظهرت براءة يوسف كاملة، وأكرمه الله بعد سنوات طويلة من الظلم.

بعد خروجه من السجن، عينه الملك مسؤولًا عن خزائن مصر، لأنه رأى فيه الأمانة والعلم، فقال يوسف: ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾. وهكذا انتقل يوسف من البئر إلى السجن، ثم إلى أعلى المناصب في الدولة، ليتحقق وعد الله بأن العاقبة للمتقين.

وعندما حل القحط، جاء إخوة يوسف إلى مصر ليشتروا الطعام، ولم يعرفوه بسبب مرور السنين، أما هو فعرفهم منذ اللحظة الأولى. ومع ذلك لم ينتقم منهم، بل عاملهم بالحكمة والإحسان، وطلب منهم أن يحضروا أخاهم بنيامين في المرة القادمة، ثم أمر أن توضع أثمان الطعام في رحالهم حتى يعودوا مرة أخرى.

وافق يعقوب عليه السلام بعد تردد على إرسال بنيامين معهم، بعدما أخذ عليهم عهدًا أن يحافظوا عليه. ولما وصلوا إلى مصر، استقبل يوسف أخاه بنيامين بسرور، وأخبره بحقيقته، ثم دبر أمرًا ليبقى معه، فوضع صواع الملك في رحله، ثم أعلن فقدانه، ولما وجد في متاع بنيامين بقي في مصر وفق قانونهم. عندها شعر الإخوة بالحزن، وتذكروا ما فعلوه بيوسف من قبل.

عاد الإخوة إلى أبيهم، فازداد حزنه حتى ابيضت عيناه من كثرة البكاء، لكنه لم يفقد الأمل، بل ظل يقول: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾. وهذا يعلمنا أن المؤمن يلجأ إلى الله في أوقات الشدة، ولا ييأس مهما طال البلاء.

وفي النهاية عاد الإخوة إلى يوسف مرة أخرى، واعترفوا بخطئهم وندمهم، فعندها كشف لهم عن هويته وقال: ﴿أنا يوسف وهذا أخي﴾. فشعروا بالخجل والخوف، لكنه قابل إساءتهم بالعفو، وقال كلمته الخالدة: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾. إنها من أعظم صور التسامح في القرآن الكريم، فقد عفا عن الذين ظلموه وآذوه، رغم قدرته على معاقبتهم.

ثم أرسل يوسف قميصه مع إخوته، فلما أُلقي على وجه يعقوب عاد إليه بصره بإذن الله، واجتمع شمل الأسرة بعد سنوات طويلة من الفراق، وانتقلوا جميعًا إلى مصر، وهناك رفع يوسف أبويه على العرش، وخر له إخوته سجدًا سجود تحية وتكريم كما كان جائزًا في شرائع الأمم السابقة، فتحققت الرؤيا التي رآها وهو صغير، وعلم الجميع أن وعد الله حق مهما طال الزمن.

وتختتم السورة بدعاء يوسف عليه السلام، حيث قال: ﴿رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث... توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾. وهذا يدل على أن أعظم أمنية للمؤمن ليست الملك ولا المال، وإنما الثبات على الإسلام وحسن الخاتمة.

وتعلمنا سورة يوسف أن الصبر مفتاح الفرج، وأن الله يدبر الأمور بحكمة عظيمة، وأن الحسد والظلم والكذب لا تكون نهايتها إلا الخسارة، بينما الصدق والعفة والتوكل على الله ترفع صاحبها في الدنيا والآخرة. كما تؤكد أن من أحسن الظن بالله وصبر على البلاء، فإن الله يعوضه خيرًا مما فقد، وأن رحمته سبحانه أوسع من كل هم وحزن، ولذلك بقيت هذه السورة من أعظم السور التي تبعث الأمل في النفوس وتغرس الثقة بالله عز وجل.


والحمد لله والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.


تعليقات